الشوكاني
159
فتح القدير
سورة الأنعام الآية ( 123 - 124 ) قوله ( أو من كان ميتا فأحييناه ) . قرأ الجمهور بفتح الواو بعد همزة الاستفهام . وقرأ نافع وابن أبي نعيم بإسكانها . قال النحاس : يجوز أن يكون محمولا على المعنى : أي انظروا وتدبروا ( أغير الله أبتغي حكما . أو من كان ميتا فأحييناه ) والمراد بالميت هنا الكافر أحياه الله بالإسلام ، وقيل معناه : كان ميتا حين كان نطفة فأحييناه بنفخ الروح فيه . والأول أولى ، لأن السياق يشعر بذلك لكونه في تنفير المسلمين عن اتباع المشركين ، وكثيرا ما تستعار الحياة للهداية وللعلم ، ومنه قول القائل : وفى الجهل قبل الموت موت لأهله * فأجسامهم قبل القبور قبور وإن امرأ لم يحي بالعلم ميت * فليس له حتى النشور نشور والنور عبارة عن الهداية والإيمان ، وقيل هو القرآن ، وقيل الحكمة ، وقيل هو النور المذكور في قوله تعالى - يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم - والضمير في به راجع إلى النور ( كمن مثله في الظلمات ) أي كمن صفته في الظلمات ، ومثله مبتدأ والظلمات خبره ، والجملة صفة لمن ، وقيل مثل زائدة ، والمعنى : كمن في الظلمات كما تقول : أنا أكرم من مثلك : أي منك ، ومثله - فجزاء مثل ما قتل من النعم - ليس كمثله شئ - وقيل المعنى : كمن مثله مثل من هو في الظلمات ، و ( ليس بخارج منها ) في محل نصب على الحال : أي حال كونه ليس بخارج منها بحال من الأحوال . قوله ( وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها ) أي مثل ذلك الجعل جعلنا في كل قرية ، والأكابر جمع أكبر ، قيل هم الرؤساء والعظماء ، وخصهم بالذكر لأنهم أقدر على الفساد ، والمكر : الحيلة في مخالفة الاستقامة . وأصله الفتل ، فالماكر يفتل عن الاستقامة : أي يصرف عنها ( وما يمكرون إلا بأنفسهم ) أي وبال مكرهم عائد عليهم ( وما يشعرون ) بذلك لفرط جهلهم ( وإذا جاءتهم آية ) من الآيات ( قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله ) يريدون أنهم لا يؤمنون حتى يكونوا أنبياء ، وهذا نوع عجيب من جهالاتهم الغريبة وعجرفتهم العجيبة ، ونظيره - يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفا منشرة - . والمعنى : إذا جاءت الأكابر آية قالوا هذه المقالة ، فأجاب الله عنهم بقوله ( الله أعلم حيث يجعل رسالاته ) أي إن الله أعلم بمن يستحق أن يجعله رسولا ويكون موضعا لها وأمينا عليها ، وقد اختار أن يجعل الرسالة في محمد صفيه وحبيبه ، فدعوا طلب ما ليس من شأنكم ، ثم توعدهم بقوله ( سيصيب الذين أجرموا صغار ) أي ذل وهوان ، وأصله من الصغر كأن الذل يصغر إلى المرء نفسه ، وقيل الصغار هو الرضا بالذل . روى ذلك عن ابن السكيت . وقد أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس ( أو من كان ميتا فأحييناه ) قال : كان كافرا ضالا فهديناه ( وجعلنا له نورا ) هو القرآن ( كمن مثله في الظلمات ) الكفر والضلالة . وأخرج ابن أبي شيبة وابن